السيد كمال الحيدري

60

أصول التفسير والتأويل

أمام الإنسان لكن هذا لا يعنى أنّ الأُسلوب الذي تتبعه هذه المدارس للحوار العلمي فيما بينها يختلف أيضاً ، بل قد تكون متّفقة في الأُسلوب الذي تتّبعه في البحث الثاني ، وأعنى به المنهج المتّبع لإيصال الحقائق إلى الآخرين . فمثلًا نجد أنّ الأُسلوب العقلي الذي يعتمد من حيث الهيئة والصورة القياس الأرسطى ، ومن حيث المادّة والمحتوى اليقينيّاتِ الأرسطيةوهو القياس البرهاني المنتج للنتيجة اليقينية من بين الأقيسة قد تتّفق مجموعة من المدارس الفكرية على اتّباعه في البحث الثاني ، وإن كانت هذه المدارس مختلفة فيما بينها في البحث الأوّل ، لأنّ لكلّ منها طريقتها الخاصّة للوصول إلى الكشف عن حقائق الأشياء ، وهذا ما نجده واضحاً في المدرسة المشّائية والإشراقية والحكمة المتعالية ، فإنّها متّفقة جميعاً في اتّباع المنهج العقلي وإن كانت بدرجات متفاوتة في البحث الثاني ، وإنّما وقع الاختلاف الكبير فيما بينها في البحث الأوّل ، وربما اطّردت هذه القاعدة في العرفان النظري وعلم الكلام أيضاً . إذا اتّضحت هذه المقدّمة أقول : إنّ المنهج الذي اتّبعه الطباطبائي في تحقيق المسائل الفلسفية والبرهنة عليها في هذين الكتابين وغيرهما من آثاره الفلسفية ، إنّما هو الأُسلوب العقلي البرهاني ، بعيداً عن المكاشفات العرفانية والأدلّة النقلية من القرآن والرواية . فلا نجد في البحث الثاني كما أشرنا أىّ تداخل بين القرآن والبرهان والعرفان ، على العكس ممّا نجده في المنظومة للسبزواري والأسفار للشيرازى ، حيث إنّ الدليل على المسألة الفلسفية قد يتداخل في بعض الأحيان بنحو لا يتّضح أنّه عقلىّ محض ، أو مكاشفة عرفانية ، أو نصّ دينىّ . هذا التداخل في الأدلّة كان منشأً لحصول حالات من التشويش في ذهن المتعلّم لهذه العلوم ، مضافاً إلى أنّ الاعتماد على المنهج العقلانى يجعل المتعلّم